محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَأَلْوانِكُمْ يقول تعالى ذكره : ومن حججه وأدلته أيضا على أنه لا يعجزه شيء ، وأنه إذا شاء أمات من كان حيا من خلقه ، ثم إذا شاء أنشره وأعاده كما كان قبل إماتته إياه خلقه السماوات والأرض من غير شيء أحدث ذلك منه ، بل بقدرته التي لا يمتنع معها عليه شيء أراده وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ يقول : واختلاف منطق ألسنتكم ولغاتها وَأَلْوانِكُمْ يقول : واختلاف ألوان أجسامكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ يقول : إن في فعله ذلك كذلك لعبرا وأدلة لخلقه الذين يعقلون أنه لا يعيبه إعادتهم لهيئتهم التي كانوا بها قبل مماتهم من بعد فنائهم . وقد بينا معنى العالمين فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ يقول تعالى ذكره : ومن حججه عليكم أيها القوم تقديره الساعات والأوقات ، ومخالفته بين الليل والنهار ، فجعل الليل لكم سكنا تسكنون فيه ، وتنامون فيه ، وجعل النهار مضيئا لتصرفكم في معايشكم والتماسكم فيه من رزق بكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يقول تعالى ذكره : إن في فعل الله ذلك كذلك ، لعبرا وذكرى وأدلة على أن فاعل ذلك لا يعجزه شيء أراده لقوم يسمعون مواعظ الله ، فيتعظون بها ، ويعتبرون فيفهمون حجج الله عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يقول تعالى ذكره : ومن حججه يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً لكم إذا كنتم سفرا ، أن تمطروا فتتأذوا به وَطَمَعاً لكم ، إذا كنتم في إقامة أن تمطروا ، فتحيوا وتخصبوا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً يقول : وينزل من السماء مطرا . فَيُحْيِي بذلك الماء الأرض الميتة ، فتنبت ويخرج زرعها بعد موتها يعني جدوبها ودروسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يقول : إن في فعله ذلك كذلك لعبرا وأدلة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عن الله حججه وأدلته . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً قال : خوقا للمسافر ، وطمعا للمقيم . واختلف أهل العربية في وجه سقوط " أن " في قوله : يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً فقال بعض نحويي البصرة : لم يذكر هاهنا " أن " لأن هذا يدل على المعنى ؛ وقال الشاعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي قال : وقال : لو قلت ما في قومها لم تيثم * يفضلها في حسب وميسم وقال : يريد : ما في قومها أحد . وقال بعض نحويي الكوفيين : إذا أظهرت " أن " فهي في موضع رفع ، كما قال : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَنامُكُمْ فإذا حذفت جعلت " ومن " مؤدية عن اسم متروك ، يكون الفعل صلة ، كقول الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح كأنه أراد : فمنهما ساعة أموتها ، وساعة أعيشها ، وكذلك : ومن آياته يريكم آية البرق ، وآية لكذا ، وإن شئت أردت : ويريكم من آياته البرق ، فلا تضمر " وأن " ولا غيره . وقال بعض من أنكر قول البصري : إنما ينبغي أن تحذف " وأن " من الموضع الذي يدل على حذفها ، فأما في كل موضع فلا ، فأما مع أحضر الوغي فلما كان زجرتك أن تقوم ، وزجرتك لأن تقوم ، يدل على الاستقبال جاز حذف " أن " ، لأن الموضع معروف